إخوان الصفاء

57

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

والأمور الجزئية تبتدئ من أنقص الحالات ، ثم ترتقي أولا فأولا إلى أن تنتهي إلى أفضل الحالات ، كما بيّنّا في رسالة مسقط النطفة ، ورسالة نشوء الأنفس الجزئية ، ورسالة البعث والقيامة ، ورسالة الكون والفساد ، فمن أراد علم ذلك ، فليرجع إلى هناك ليعلم صحة ما قلناه وحقيقة ما بيّنّاه . فصل في ما العلة في وصول الآلام والأوجاع إلى النفوس الحيوانية دون سائر النفوس التي في العالم فنقول : اعلم أنّا قد بيّنّا ماهيّة اللذة والآلام ، وكيفية إحساس النفوس بهما ، ونريد أن نذكر في هذا الفصل ما العلّة والحكمة في رباط النفوس الجزئية بالأجساد الحيوانية ، ووصول الآلام والأوجاع إلى النفوس الحيوانية دون سائر النفوس النباتية والموجودات التي في العالم . فاعلم أنه لما كانت النفوس الحيوانية من الأمور الجزئية ، ولم يكن للنفوس الجزئية أن تبلغ إلى أتم الحالات وأكمل المراتب إلّا بأن تقترن بالأجسام الجزئية التي هي أجساد الحيوان ، وكانت الأجساد تعرض لها الآفات المفسدة قبل تمامها وكمال نفوسها ، ولم يكن للأجساد مقدرة على دفع تلك الأشياء المفسدة لها ، لأن جواهر الأجسام عاجزة ، جاهلة ، ميتة ، ناقصة الحال ، منفعلة حسب . فبواجب الحكمة الإلهية جعل لنفوسها أن تلحقها الآلام والأوجاع من الأشياء المفسدة لأجسادها ، كيما تدعوها تلك الآلام وتحثها تلك الأوجاع على دفع تلك الأشياء المفسدة لأجسادها ، وتحفظها من الآفات المهلكة ، وتصونها عن عوارض التلف إلى أن تتمّ تلك الأجساد وتكمل أيضا تلك النفوس . ثم يجيئها الموت الطبيعي ، إن شاءت النفوس أو أبت ، كما يجيء الطّلق للولادة ، إن شاء الجنين أو أبى ، لأن موت الجسد ولادة